الراغب الأصفهاني

379

الذريعة إلى مكارم الشريعة

مناسبة بدن الإنسان لصناعته إن اللّه تعالى فرق همم الناس للصناعات المتفاوتة ، ويسر كلا لما خلق له ، وجعل آلاتهم الفكرية والبدنية مستعدة لها ، فجعل لمن قيضه لمراعاة العلم والمحافظة على الدين قلوبا صافية ، وعقولا بالمعارف لائقة ، وأمزجة لطيفة ، وأبدانا لينة مستصلحة لما خلقوا له . وجعل لمن قيضه لمراعاة المهن الدنيوية والمحافظة عليها كالزراعة والبناء قلوبا قاسية وعقولا كنزة ، وأمزجة غليظة ، وأبدانا خشنة . وكما أنه محال أن يصلح السمع للرؤية والبصر للسمع كذلك من المحال أن يكون من خلق للمهنة يصلح للحكمة . وقد جعل اللّه كل جنس من الفريقين نوعين : رفيعا ووضيعا : فالرفيع من تحرى الحذق في صناعته ، وأقبل على عمله ، وطلب مرضاة ربه بقدر وسعه ، وأدى الأمانة بقدر جهده ، ولم يشتغل عن عبادة اللّه سبحانه وتعالى ، كما قال : رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ « 1 » الآية . وقال عليه السّلام : « إن اللّه يحب الصانع الحاذق » « 2 » ، ومدح الملائكة بوقوفهم حيث ما وقفوا ، وإحكامهم لما ولوا ، فقال تعالى : لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ « 3 » . * * *

--> ( 1 ) النور / 37 . ( 2 ) قال العراقي : الطبراني وابن عدي وضعفه من حديث ابن عمر كما ورد ما رواه الحكيم الترمذي « إن اللّه يحب العبد المؤمن المحترف » ورد من عدة طرق ، مفرداتها ضعاف لكن تتقوى فيصير حسنا كشف الخفاء / 1 / 250 . ( 3 ) التحريم / 6 .